ابن الجوزي
148
صيد الخاطر
أقرب حالا ، وهذا لأن القرب لا تعرف إلا بالشرع ، وليس في الشرع أمر بالرقص ولا ندب اليه ، ولقد بلغني عن جماعة منهم أنهم كانوا يوقدون الشمع في وجوه المردان وينظرون إليهم ، فإذا سئلوا عن ذلك سخروا بالسائل فقالوا : نعتبر بخلق اللّه ، أفتراهم أقوى من النبي صلّى اللّه عليه وسلم حين أجلس الشاب الذي وفد عليه من وراء ظهره وقال : « وهل كانت فتنة داود الا من النظر « 1 » » . هيهات لقد تملك الشيطان تلك الأزمّة « 2 » فقادها إلى ما أراد والعجب ممن يذم الدنيا وهو يأكل فيشبع ، ولا ينظر من أين المطعم ، وما زال صالحوا السلف يفتشون عن المطعم حتى كان إبراهيم بن أدهم يسهر هو وأصحابه ويقولون : مع من نعمل غدا ؟ وكان سري السقطي يعرف بطيب الغذاء ، وله في الورع مقامات . فجاء قوم يتسمون بالصوفية يدعون اتباع أولئك السادة ، ويأكلون من مال فلان . وهم يعرفون أصول تلك الأموال ، ويقولون : « رزقنا » فوا عجبا إذا كان الآكل لا يبالي به من أين ؟ ولا امتناع من شهوة ولا تقلل ، ولا يخلو الرباط « 3 » من المطبخ ، ولا ينقطع ليلة ، وأصله من مال قد عرف من أين هو ، والحمام دائر والمغني يدق بدفّ فيه جلاجل ورفيقه بالشبّابة ، وسعدى وليلى في الانشاد . والمردان في الشمع ، ثم يذم الدنيا بعد هذا ، فقولوا لنا : من يتلهى بالناس ، ولكن من مرت عليه زرجنتهم « 4 » فإنه أخس منهم . 102 - عظمة الخالق عرض لي في طريق الحج خوف من العرب ، فسرنا على طريق خيبر ، فرأيت من الجبال الهائلة والطرق العجيبة ما أذهلني « 5 » ، وزادت عظمة الخالق عز وجل في صدري . فصار يعرض لي عند ذكر تلك الطرق نوع تعظيم لا أجده عند ذكر غيرها ، فصحت بالنفس : ويحك اعبري إلى البحر وانظري اليه وإلى عجائبه بعين الفكر ،
--> ( 1 ) قال الأستاذ الشيخ ناصر وهو المرجع اليوم في رواية الحديث في الشام : هذا الحديث ضعيف . ( 2 ) جمع زمام . ( 3 ) الرباط التكية . ( 4 ) أي تدجيلهم : أقال اللّه حين عبد تموه * كلوا أكل البهائم وارقصوا لي ؟ ( 5 ) ترى وصفها في كتابي « من نفحات الحرم » لأنها متصلة بجبال « العلا » التي مررت بها ووصفتها .